مدرسة الصناعة في قونية: صرح تعليمي قام على أنقاض بدستان

حين يُذكر اسم قونية، يتبادر إلى الذهن مولانا أو الخبز باللحم أو المدارس السلجوقية. غير أن الصرح المهيب القائم في وسط المدينة، على شارع مولانا، مباشرة شرق البنك المركزي، هو مكتب قونية للصناعة، الذي يحتل مكانة استثنائية في تاريخ التعليم الصناعي بالأناضول. هذا البناء الذي يحمل في طيّاته قصة تعليم وحرب وثقافة وصناعة تمتدّ لأكثر من قرن، وإن كان يُستخدم اليوم مقرًّا للشرطة البلدية، ما يزال يحافظ على مكانته في ذاكرة قونية بوصفه شاهدًا صامتًا على الماضي.


مدرسة نهضت في موضع بدستان

كانت الأرض التي يقوم عليها مكتب قونية للصناعة تشغلها، قبل عام 1901، بدستان قونية ذو التسع قباب (بدستان السليمانية)، المشيَّد في عهد السلطان سليمان القانوني. وهذا البدستان الذي بناه قاضي العسكر مولانا قدري چلبي عام 1538، لمّا تداعى بفعل القرون، قُرّر هدمه عام 1901 بأمر من والي قونية آنذاك، آولونيالي فريد باشا، وأُقيم مكانه مبنى المدرسة الذي صمّمه كبير مهندسي الولاية شفيق بك. فالصرح الذي نراه اليوم على تلك الأرض إذن ليس بدستانًا قائمًا منذ قرون، بل مبنى مدرسة جديدة كليًّا، شُيّد مكانه استثمارًا تعليميًّا واعيًا - هُدم البدستان، لكن رسالته في "التجارة والإنتاج" وجدت حياة جديدة في ورش المدرسة.

بدأ البناء عام 1899 واكتمل في سبتمبر 1901. وهذا الصرح ذو المخطط المستطيل، المشيَّد بالحجر المنحوت، كان بفضل زخارفه الخزفية على الواجهة وفي الداخل، يتجاوز كونه مبنى تعليميًّا ليغدو تحفة فنية. ولسوء الحظ، فقد جزء كبير من هذه الزخارف في الحريق الكبير الذي شبّ عام 1979.


أولى مكاتب الصناعة في الأناضول بعد عام 1868

بتأثير الثورة الصناعية في أوروبا، تزايدت أهمية التعليم المهني منذ عهد التنظيمات؛ وفي عام 1868 أسّس مدحت باشا مكتب الصناعة في السلطان أحمد بإسطنبول. ومع امتداد هذه الخطوة إلى الأناضول، شكّلت مكاتب الصناعة التي افتُتحت في أدرنة (1878) وقونية (1901) وآيدين (1924) الحلقات الثلاث الكبرى الأولى في تاريخ التعليم الصناعي بالأناضول. وهكذا يحظى مكتب قونية للصناعة بأهمية تاريخية بوصفه أحد المؤسسات التي أشعلت فتيل التعليم المهني في الأناضول قبل الجمهورية.

حين بدأت المدرسة التعليم في سبتمبر 1901 باسم "مكتب الصناعة"، لم يكن لديها سوى ورشتين (الحدادة والنجارة)، وثلاثة معلمين، و17 طالبًا. وكان التعليم يستمر ثلاث سنوات، بواقع ساعتين نظريتين في الصباح تليهما ست ساعات من التطبيق في الورش. وكان هدف التأسيس ذا شقّين: احتضان الأطفال الفقراء والأيتام ومنحهم مهنة، والإسهام في الوقت نفسه في صناعة المدينة وسدّ حاجتها من الكوادر الفنية.


مصنع للجبهة في سنوات الحرب

وسّعت المدرسة ورشها كلما ازدادت الحاجة: فافتُتحت ورشة السباكة عام 1912، ثم تلبيةً لاحتياجات جبهة الحرب العالمية الأولى، افتُتحت عام 1915 ورش الإسكافية والخياطة وصناعة الفانلة والجوارب. وعملت معمل الجوارب والفانلة الذي أُنشئ عام 1915 ليل نهار، فأرسل آلاف الجوارب والفانلات مباشرة إلى الجبهة؛ وتجاوزت المدرسة في هذه المرحلة كونها مؤسسة تعليمية لتصبح أحد مراكز الإسناد اللوجستي للجيش. وفي العام نفسه، أُقيم في قاعات هذه المدرسة أول عرض للسينما الصامتة التي وصلت إلى قونية لأول مرة - فالصرح ليس مبنى تعليم صناعي فحسب، بل مسرح "أول" أيضًا في تاريخ التحديث الثقافي لقونية.


تغيّرات في الاسم والمكان امتدت لأكثر من قرن

سلك مكتب قونية للصناعة منذ تأسيسه وحتى اليوم مسارًا متعرّجًا، وغيّر اسمه مع كل إصلاح في النظام التعليمي:

  • 1901 - مكتب قونية للصناعة (مكتب الصناعة): الاسم التأسيسي.
  • بعد 1908 - مكتب الصناعة الحميدي / مكتب الفنون الإقليمي: تسمية عهد السلطان عبد الحميد الثاني.
  • أوائل عهد الجمهورية - مكتب قونية للفنون، ثم مدرسة الفنون / مدرسة الفنون الإقليمية.
  • 1943 - معهد الفنون للبنين: هيكل جديد بقرار من مجلس التعليم والتربية.
  • 1973 - ثانوية الصناعة المهنية، وأُضيفت إليها عام 1978 الثانوية التقنية.
  • بعد 1990 - ثانوية قونية المهنية والتقنية للأناضول: اسمها الحالي.

أُغلقت المدرسة مرة عام 1906، ثم أُعيد فتحها عام 1915 وأنتجت للجبهة خلال سنوات الحرب، وأُغلقت مجددًا عام 1922، ثم أُعيد فتحها في المبنى نفسه في السنوات الأولى للجمهورية. وفي عام 1927 اُلحقت بوزارة المعارف فاكتسبت زخمًا جديدًا، وأُضيف قسم الميكانيك عام 1951 وقسم الكهرباء عام 1952؛ وفي عامَي 1967-1968 انتقلت المدرسة إلى مبناها الجديد المشيَّد على شارع لارَنده (وهو اليوم ثانوية قونية المهنية والتقنية للأناضول).


حريق عام 1979 وحاله اليوم

بعد انتقال المدرسة، خدم المبنى القديم في شارع مولانا لفترة بين عامَي 1968 و1977 بوصفه ثانوية قره‌تاي (أول ثانوية مختلطة في قونية)، ثم شبّ فيه عام 1979 حريق كبير فقد على إثره جزءًا كبيرًا من زخارفه الخزفية. وبعد أن ظلّ المبنى خاليًا لفترة عقب الحريق، سُجّل عام 1982 في السجل الثقافي، واستُخدم منذ عام 1988 مبنى لمديرية الإدارة الخاصة بولاية قونية. وإذ نُقل المبنى إلى بلدية قونية الكبرى عام 2014 عند إلغاء الإدارات الخاصة بالولايات، فإنه يخدم اليوم، بعد الترميم، مقرًّا لرئاسة دائرة الشرطة البلدية التابعة للبلدية الكبرى.

ولم يقطع المبنى صلته تمامًا بوظيفته الأصلية، التعليم: فثانوية قونية المهنية والتقنية للأناضول ما تزال منذ عامَي 1967-1968 تُبقي روح مكتب الصناعة ورسالته حيّة في مبناها الجديد على شارع لارَنده.


ملاحظة المرشد

في زيارتكم القادمة لقونية، وأنتم تسيرون على شارع مولانا، توقفوا دقيقة أمام هذا الصرح. انظروا إلى الكتابات المنقوشة على جدرانه، وإلى نسيج الحجر المنحوت. في تلك اللحظة ستستشعرون المغامرة التي بدأت عام 1901 بسبعة عشر طفلًا في ورشتَي الحدادة والنجارة؛ وآلاف الجوارب التي حِيكت هنا خلال الحرب العالمية الأولى؛ وأول عرض للسينما الصامتة الذي أُقيم في قاعاته عام 1915. فمعرفة قونية لا تعني معرفة متاحفها وجوامعها وحدها، بل معرفة مثل هذه الشواهد الصامتة أيضًا.

#مكتب قونية للصناعة#شارع مولانا#بدستان#العثمانيون#تاريخ التعليم#الحرب العالمية الأولى#ترميم