حين تخرجون من متحف مولانا وتخطون خطوتكم الأولى في الشارع، أول ما يستقبلكم هو أسواق تربه أونو (التي كانت تُعرف سابقًا بسوق مولانا والسوق الذهبي)، المرتفعة في الميدان والتي أُعيد إحياؤها في المنطقة عبر مشروع التجديد الحضري. وحين تتركون خلفكم، خطوة بخطوة، هذا الممر الذي يجمع الحديث بالتقليدي، ينفتح أمامكم فجأة سوق البدستان التاريخي بضجيج آلاف السنين وروحه الحيّة. هذه الأزقة المتاهية الممتدة من عهد السلاجقة إلى العثمانيين ثم إلى يومنا هذا، ليست مركزًا للتجارة فحسب، بل مركز لثقافة الأخيّة في قونية، ولأخلاقيات الحرفة، ولإيقاع الحياة اليومية.
ورغم أن كثيرين يتخيّلونه مبنًى واحدًا لا يزال قائمًا، فإن البدستان الأصلي الذي شُيّد عام 1538 قد هُدم بالفعل؛ إلا أن اسم "البدستان" ونسيج السوق ظلّا حيّين على مرّ القرون.
ماضٍ يمتدّ ألفي عام وحكاية تحوّل
يمتدّ تاريخ منطقة البدستان بوصفها مركزًا تجاريًا إلى العهد الروماني. وهذه النقطة، التي تتقاطع عندها المحاور الرئيسية للمدينة، حافظت في العهد السلجوقي على حيويتها التجارية تحت اسم "چارشي-يي كبير" (السوق الكبير).
أما اكتساب السوق هويته المؤسّسية بوصفه "بدستانًا" فتشكّل عام 1538 في عهد السلطان سليمان القانوني، ببناء المبنى المكوّن من تسع وحدات الذي أنشأه قاضي العسكر مولانا قدري چلبي (وقف مصطفى باشا الموغلاوي). ورغم هدم هذا المبنى عام 1898، فإن الأزقة والخانات والمساجد الصغيرة المحيطة به حملت اسم "البدستان" إلى يومنا هذا بوصفه روحًا وتقليدًا.
وقد تجدّد السوق مرات عديدة عبر التاريخ بفعل الحرائق، لكنه شهد أكبر انكسار له في حريق سوق قونية الكبير عام 1867. وبعد هذه الكارثة التي ألحقت أضرارًا جسيمة بمبانٍ رمزية كجامع قابو وجامع عزيزية، أُعيد بناء السوق وفق مخطط شبكي يعكس الفكر المعماري العثماني في تلك الحقبة؛ ليكون بذلك مسرحًا لواحد من أوائل تنظيمات الأسواق المخطَّطة في الدولة العثمانية.
البنية المادية وهوية المتحف المفتوح
يمتدّ السوق على مساحة نحو 100,000 متر مربع، ويحمل كل خصائص السوق المدينية العثمانية الكلاسيكية:
- 7 شوارع رئيسية، تتصل بها 40 زقاقًا وطريقًا مسدودًا
- أكثر من 2,600 محل تجاري (2,687 محلًا وفق السجلات الرسمية)
- مساحة تسوّق وحياة مغلقة أمام حركة المركبات ومخصّصة بالكامل للمشاة
السوق بكامله مسجّل ضمن منطقة محمية باسم مركز المدينة التاريخي. وهذه المنطقة لا تقتصر على المحال التجارية فحسب، بل تشكّل مبانيها المدنية والدينية المسجَّلة ما يشبه متحفًا مفتوحًا:
- جامع قابو (جامع إحيائية): بناه بير حسين چلبي عام 1658 باسم "إحيائية"، وأعاد بناءه بعد حريق 1867 طورصون أوغلو آخي مصطفى أفندي، وعُرف باسم "جامع قابو" لقربه من بوابة القلعة القديمة — وهو المعلَم الرمزي عند الطرف الغربي من السوق.
- جامع عزيزية: المبنى الأثري عند الطرف الشرقي من السوق. أُعيد بناؤه بدعم من بيرتونيال والده سلطان، والدة السلطان عبد العزيز، ويُعدّ الانعكاس الأبهى للطرازين الباروكي والإمبراطوري في العمارة العثمانية. تتلألأ نوافذه الضخمة وشرفات مآذنه ذات الأعمدة التي تذكّر بالعمارة الهندية-الإسلامية، فتقدّم وليمة بصرية حقيقية.
- مبانٍ تاريخية: مسجد بلغور ديده الصغير، وخان مجيدية، وحمّام أحمد أفندي، وخان نقيب حاجي إبراهيم.
طوائف الحرفيين: الإرث الحيّ للأخيّة
انعكاسًا لتقاليد "الأخيّة" الأناضولية، تُصطَفّ في البدستان محال الحرفيين من التخصّص نفسه جنبًا إلى جنب. وهذا الترتيب يتيح للحرفيين مراقبة بعضهم بعضًا، والحفاظ على الجودة، والعمل بروح التضامن:
- الصاغة والصرّافون: يتركّزون على الشارع الرئيسي للسوق.
- تجار الأقمشة والسروجية: الأقمشة التقليدية والمنسوجات والملابس الجاهزة.
- العطارون وتجار التوابل: أزقة تختلط فيها روائح عمرها قرن من الزمن.
- الأحذية والأدوات المنزلية والنحاسون: حِرف تقليدية تسرّبت إلينا عبر التاريخ.
- المقاهي وأركان الشاي ومطاعم الحرفيين: عنوان نكهات كالكباب المخبوز، وإتلي أكمك (الخبز باللحم)، والتيريت، وخبز الزبدة التقليدي.
موجات التجديد الحضري والتحديث
استضاف سوق البدستان بين عامي 2012 و2013، في إطار مشروع "وادي مولانا الثقافي" الذي نفّذته بلدية قونية الكبرى، واحدًا من أكبر مشاريع الترميم التي نُفّذت في العالم دفعةً واحدة.
أُعيدت واجهات ما يقارب 2,700 محل إلى نسيجها الأصلي من الخشب والحجر، ونُقلت اللافتات الفوضوية وخطوط الكابلات إلى البنية التحتية. وتحوّل الحرفيون بعد الترميم من طلب الشاي عبر ضجيج أجهزة الاتصال الداخلي إلى أنظمة قائمة على الإنترنت — وهو مثال لطيف على التقاء النسيج التقليدي بالبنية التحتية الحديثة.
كذلك، فإن سوق مولانا (89 محلًا) والسوق الذهبي (139 محلًا ومكتبًا ومقهى)، اللذين أُنجزا في إطار مشروع التجديد الحضري لمنطقة "تربه أونو" المجاورة لضريح مولانا، يعملان اليوم تحت اسم "أسواق تربه أونو" بوصفهما بوابتي دخول تُكمّلان البدستان.
ملاحظة المرشد
المسار المثالي الذي نقترحه بحكم خبرتنا الميدانية: متحف مولانا ← أسواق تربه أونو ← جامع عزيزية ← سوق البدستان (محور جامع قابو).
أفضل وقت لزيارة السوق هو ساعات الصباح. فدخول السوق في الساعات التي تُرفع فيها ستائر المحال، وتُتلى فيها دعاء "السيفتاح" التقليدي (دعاء أول بيعة في اليوم)، يمنحكم تجربة فريدة لمراقبة ثقافة الأخيّة الحيّة. وحين تشترون هدية صغيرة من أحد الحرفيين، وتحتسون قهوة الاستراحة في أحد أركان الشاي العريقة، ستشعرون بنبض قونية الحقيقي.