بينما يُدرَج چاتالهويوك، أحد أشهر مستوطنات العصر الحجري الحديث في العالم، على قائمة التراث العالمي لليونسكو، لا يكاد أحد يعرف اسم قرية عاشت في السهل نفسه قبل ذلك بألف عام: بونجوكلو هويوك. هذا الموقع، الذي يبلغ عمره 10300 عام، أُقيم على تلّة صغيرة كانت محاطة يومًا ما بأراضٍ رطبة وقصب البردي، في قضاء قره تاي بقونية، ويحمل أقدم آثار انتقال البشرية من حياة الترحال إلى الاستقرار — وهو أيضًا جزء من قصة انتشار الزراعة من الأناضول إلى أوروبا.
قبل چاتالهويوك بألف عام: اكتشاف قرية
عُثر على بونجوكلو هويوك في مسوحات ميدانية أجراها الأستاذ الدكتور دوغلاس بيرد من جامعة ليفربول في إنجلترا في سهل قونية بين عامي 1995 و2002. وقد أخذ الموقع اسمه من الخرزات (بونجوك) التي عُثر عليها في الحفريات. وتُظهر التحليلات التي أُجريت أن هذه القرية، التي يمكن اعتبارها سلفًا أو رائدة لچاتالهويوك، تأسّست قبل چاتالهويوك بنحو 1000 عام — لتكون بذلك من بين أقدم القرى المعروفة في العالم. وتشير تحليلات التربة المحيطة بالتلّة إلى أن هذا المكان كان يومًا ما أرضًا رطبة خصبة، محاطة بقصب البردي والمستنقعات، وقريبة من بحيرات.
بيت بين قصب البردي: العمارة والحياة اليومية
خلافًا لبيوت چاتالهويوك المتلاصقة ذات المخطط الرباعي، بُنيت بيوت بونجوكلو هويوك بيضاوية الشكل ومستقلة عن بعضها؛ واستُخدم فيها اللبن والقصب والبردي والخشب معًا. وفي الداخل، كانت منصات مرتفعة عن الأرض تقسم المكان إلى جزأين، بينما كانت المواقد المستخدمة للطهي والتدفئة تقع في جزء منفصل من البيت — وهو ترتيب يوحي بفصل واعٍ بين المساحات النظيفة والمتّسخة. وعُثر في جدران هذه البيوت، التي كانت تسكنها أسر من 2 إلى 6 أفراد في المتوسط، على رؤوس حيوانات ودهانات حمراء ونقوش بارزة، تُعدّ اليوم من بين أقدم نماذج الرسم والنحت الجداري المعروفة. ولعلّ أكثر التفاصيل إثارة هو دفن أفراد الأسرة المتوفَّين في مقابر تُفتح في أرضية البيت نفسه — كما في حالة هيكل عُثر عليه مدفونًا داخل سلّة في إحدى الحفريات.
رحلة الزراعة من الأناضول إلى أوروبا
كان سكان بونجوكلو هويوك في الأساس صيادين وجامعي ثمار، غير أن آثار أنواع بدائية من القمح تُعرف باسمَي إيمر وآينكورن تشير إلى وجود زراعة صغيرة النطاق هنا أيضًا. وكون هذا الموقع من أوائل آثار الفلاحة خارج الهلال الخصيب (بلاد الرافدين) يجعل بونجوكلو هويوك نقطة محورية لفهم انتشار الزراعة. وقد كشفت تحليلات الحمض النووي أن السكان هنا يحملون جينات مشابهة لأولى المزارعين في أوروبا — أي أن الزراعة ربما انتشرت غربًا عبر مجتمعات مرتبطة ببونجوكلو هويوك وچاتالهويوك. ولخّصت مجلة ناشيونال جيوغرافيك تركيا هذا الاكتشاف بقولها: "أينما ظهرت الزراعة لأول مرة من قونية إلى إنجلترا، هناك بصمة وراثية لمزارع الأناضول."
مواد خام قادمة من أصقاع بعيدة
نظرًا لعدم وجود مصدر طبيعي للحجارة حول بونجوكلو هويوك، فإن كل حجر استخدمه السكان كان قد جُلب من مكان آخر. فقد نُقل حجر السج (الأوبسيديان) البركاني الأسود، المستخدم في الأدوات القاطعة، من كبادوكيا الواقعة على بُعد 190 كيلومترًا؛ ونُقلت أحجار الطحن من جبل قره داغ قرب قرمان. أما الأصداف البحرية المستخدمة للزينة فقد وصلت إلى هنا من سواحل البحر المتوسط البعيدة 250 كيلومترًا. وتُظهر هذه المسافات أن المجتمعات، حتى قبل 10000 عام، لم تكن معزولة تمامًا عن بعضها، بل كانت جزءًا من شبكات تبادل بعيدة المدى.
مستوطنة أخذت اسمها من الخرز: المكتشفات
لم يُعثر بعد في بونجوكلو هويوك على أوانٍ فخارية؛ وبدلًا من ذلك عُثر على قطع مصنوعة من الطين غير المشوي بالنار، بعضها موسوم بضغط القصب — يُعتقد أنها استُخدمت كأختام. ومن بين المكتشفات أيضًا خرز مصنوع من الحجر والطين والعظم والصدف البحري، ومخارز وإبر، وسكاكين عظمية ثُبِّتت مقابضها بالراتنج. غير أن أبرز ما فيها هو الخرز الذي أخذت المستوطنة اسمها منه: هذه الحُلي المصنوعة من الحجر الجيري الرمادي المائل إلى الحمرة، والحجر الأخضر المائل إلى الحمرة، والأصداف البحرية القادمة من البحر المتوسط، تُظهر أن الإنسان، حتى قبل 10 آلاف عام، لم يكتفِ بالبقاء على قيد الحياة فحسب، بل اهتمّ بالجمال والهوية أيضًا.
ملاحظة المرشد
في الأراضي المستوية لسهل قونية، يستقبل بونجوكلو هويوك زائريه اليوم بأكواخه اللبنية المرمَّمة، وهو محطة بقيت في ظلّ چاتالهويوك لكنها لا تقلّ عنه قيمة. وأنتم في طريقكم نحو قره تاي، تخيّلوا إنسانًا دُفن هنا بعناية داخل سلّة قبل عشرة آلاف عام، أو يدًا كانت تنحت قطعة من حجر السج جُلبت من مسافة 190 كيلومترًا — فالشاهد الصامت على أولى خطوات البشرية نحو الحياة المستقرة، ما يزال قائمًا هنا بالذات.