خان زازادين: باب خان سلجوقي فُتح دون مقابل

تخيّلوا تاجرًا يمتطي صهوة جواده منذ أيام على الطريق السلجوقي الممتد من قونية إلى أقسراي: متعبًا، جائعًا، وقد أوشكت الأكچة في جيبه على النفاد. في اللحظة التي دخل فيها من باب خان زازادين الذي ظهر أمامه، كان يعلم أنه سيجد لثلاثة أيام كاملة طعامًا ومبيتًا وشفاءً إن احتاج إليه، من دون أن يدفع أجرًا - غنيًا كان أم فقيرًا، مسلمًا أم مسيحيًا، حرًا أم عبدًا، لا فرق. واليوم، يقف هذا البناء الحجري على بُعد 22 كيلومترًا شمال شرق قونية، قرب قرية تومك، شاهدًا صامتًا على هذه الضيافة السخية التي أقامها الأناضول على الطريق قبل 800 عام.


خان سعد الدين كوبك: بانيه وقصة بنائه

شُيّد خان زازادين بين عامَي 1236 و1237 على يد كوبك بن محمد، المعروف باسم سعد الدين كوبك، أحد رجال الدولة البارزين في الدولة السلجوقية الأناضولية. وقد تولّى سعد الدين كوبك مناصب رفيعة في الدولة طوال عهد السلطان علاء الدين كيقباد الأول وابنه غياث الدين كيخسرو الثاني، غير أنه قُتل بطريقة فظيعة في قصر قُبادآباد عام 1238. وقد بُني الخان على الطريق الرئيس التاريخي، وهو يملك بواجهته البالغ طولها 104 أمتار ثاني أطول واجهة خان في الأناضول بعد خان السلطان في أقسراي.


كرم السلاجقة على الطريق

لم تكن الخانات السلجوقية مجرد أماكن للمبيت، بل شبكة خدمة اجتماعية متكاملة. فالمسافر الذي يلجأ إلى خان زازادين كان له حق الطعام والمبيت المجانيَين لثلاثة أيام؛ وإن مرض وجد الرعاية الصحية والطبيب، وإن احتاج وجد الصيدلية والحمام على الباب أيضًا. وأكثر ما يلفت في هذه الخدمة أنها كانت تُقدَّم من دون أي تمييز - فالغني والفقير، والحر والعبد، والمسلم والمسيحي، جميعهم كانوا يحصلون على الخدمة نفسها من الباب نفسه. كان هذا هو التجسيد المؤسسي، بيد الدولة، لمبدأ "اليد المفتوحة والباب المفتوح والمائدة المفتوحة" في تقليد الأخيّة.


العمارة: الفناء والمأوى ولغة الحجر

يتألف الخان من قسم الفناء المكشوف والمأوى الشتوي المغلق؛ ويضمّ في مجموعه 27 غرفة، ومسجدًا صغيرًا، وحظيرة، ومخزنًا، وحمامًا، وإسطبلات. يُصعد إلى المسجد بسلّم من 17 درجة، وإلى موضع المراقبة بسلّم من 20 درجة؛ ونُظّم القسم الشتوي المغلق حول ممر مشاة على شكل حرف T، ودُعم بمقرنصات ونوافذ مزغلة. واستُخدم في بنائه معًا حجر الترافرتين البيج، والتوف البركاني البني الداكن المائل إلى الرمادي، والرخام الأبيض والرمادي؛ واستعادت القبة شكلها الحجري الأصلي في ترميم أجرته المديرية العامة للأوقاف بين عامَي 2019 و2020.


آثار منقولة من روما وبيزنطة

استُخدمت في جدران خان زازادين 189 قطعة من الحجارة المُعاد استخدامها - وأغلبها حجارة جُمعت من بقايا تعود إلى العصرين الروماني والبيزنطي. وما تزال بعضها تحمل زخارف أوراق الأقنثة، وبعضها الآخر كتابات يونانية يمكن قراءتها حتى اليوم. وتُظهر هذه الحجارة أن الخان ليس أثرًا سلجوقيًا فحسب، بل أرشيف أيضًا لتاريخ الحضارات المتراكمة طبقة فوق طبقة في الأناضول.


الخان الذي تحوّل إلى متحف

بدأ تحوّل خان زازادين إلى متحف عام 2007 مع ترميم أجرته بلدية سلچوقلو. واليوم تستقبل غرف الخان الزائر بمشاهد تُحيي وظائف تلك الحقبة: غرفة كبير الخان، وغرفة الخانجي، وزاوية الدراويش، وقاعة استقبال سعد الدين كوبك، ومشغل الكليم، وقاعة الأدوات الزراعية القديمة المعروضة، وغرفة السلطانة المخصّصة للضيوف من النساء. وفي الأروقة المقنطرة، تنقل فتاة ترتدي "بندلي" أحمر، وتماثيل جالسة في المشكاوات الحجرية بأزياء تلك الحقبة، الحياة اليومية قبل 800 عام إلى يومنا هذا.


ملاحظة المرشد

حين تزورون خان زازادين، لا تنسوا أن الصمت المتردد بين الجدران الحجرية يحمل في حقيقته قصص آلاف المسافرين الذين ناموا هنا قبل قرون. وهذا الخان القريب من قرية تومك محطة فريدة لمن يريد أن يختبر إرث قونية السلجوقي بذاته، بعيدًا عن ظل متحف مولانا. وأنتم تسيرون تحت أقواسه المضاءة ليلًا، ستشعرون أن هذا الباب الذي فُتح على الطريق بأمر من سعد الدين كوبك، ما زال يستقبل ضيوفه حتى بعد ثمانية قرون.

#خان زازادين#خان#السلاجقة#قونية#الأخيّة#متحف#قرية تومك