تقليد بارانا في قونية: من مائدة الأخي إلى سهرة بالساز والحديث

صوت العود المتسلّل من باب بيت بستان أو مقهى في قونية ليس، في أغلب الأحيان، صدى لَهوٍ عادي، بل صوت تقليدٍ تربوي عمره قرون. يُطلق عليه اسم البارانا. هذا التقليد، الذي وُلد من "جلسات التناوب" التي أرساها تنظيم الأخية الذي أسّسه أخي أوران في القرن الثالث عشر، وتنقّى من عوالم الأوتوراك المنحرفة في العهد العثماني ليصل إلينا اليوم، يجمع في ليلة واحدة الساز والحديث والمائدة والأدب. تعالوا نلقِ نظرة، بعين مرشد سياحي، على واحد من أقلّ إرث قونية الثقافي شهرةً وأعمقها في آن واحد.


الأصل: من الأخية إلى جلسات التناوب

كانت الأخية، منذ القرن الثالث عشر، مؤسسة نظّمت الحرفيين وأصحاب الصنائع والشباب في الأناضول تنظيمًا مهنيًّا واجتماعيًّا معًا. وكانت قونية أحد أقوى مراكز هذا التنظيم — إذ أسّس خليفة أخي أوران، أخي أحمد شمس الدين القرماني، تنظيم الأخية في المدينة بالاشتراك مع فاطمة باجي، ابنة أخي أوران. وتحوّلت "جلسات التناوب"، التي كانت جماعات الأخية تجتمع فيها بانتظام لمناقشة الشؤون المهنية والاجتماعية، بمرور الوقت إلى سهرات يحييها الموسيقيون، فأرست أساس تقليد البارانا اليوم.


من الأوتوراك إلى البارانا: تطهّر أخلاقي

كانت سهرات الأوتوراك في قونية إبّان العهد العثماني ضربًا من التسلية ضمن حدود أخلاقية في بدايتها، لكنها أخذت تخلّ براحة المجتمع مع الوقت؛ فحظرها والي قونية آنذاك، فريد باشا الأفلوني، في مطلع عقد 1900. غير أن سهرات البارانا ملأت الفراغ الذي نشأ، فنقّت الأوتوراك من جوانبه السلبية وأبرزت مبادئ تقليد الأخية: لا خمر ولا نساء، بل لا يُدخَّن السجائر حتى أمام الكبار، وصدر المجلس مخصّص للكبار، والمشاركة والاحترام المتبادل ركيزتان أساسيتان. وتُوصف البارانا، على حدّ تعبير مصادر تلك الحقبة، بأنها "أكثر أشكال الأوتوراك سلامةً وفائدةً ومشروعية" — فهي ليست تصفية لتقليد منحرف بل عودة إلى جوهره.


إرث الأخية: مدرسة تربوية تحمي الشباب

المبادئ الأساسية الأربعة للأخية هي العفة والشجاعة والحكمة والعدالة؛ ويختصرها مثل واحد: "امتلك زمام يدك وحزامك ولسانك." وكان يكفي سلوك كالكذب والغيبة والكبر وخيانة الأمانة لإخراج الشخص من الأخية. وكانت إحدى أهم وظائف التنظيم حماية الشباب من البطالة والتسكّع وتوجيه طاقتهم نحو التضامن الاجتماعي — وتنقل سهرات البارانا هذه الوظيفة الحمائية إلى اليوم. ويتدرّج السلّم المهني من اليامق (المساعد) إلى الصانع (المتدرّب) فالكلفة (نصف الماهر) فالأستاذ (الماهر)؛ وحفل "ارتداء الحزام" الذي يُوثَّق فيه بلوغ درجة الأستاذية هو لحظة انتقال يثبت فيها الشخص حرفته وأخلاقه معًا.


مسار ليلة بارانا

البارانا، في قونية، جماعة تُدعى "أوغور"، تتألف من أشخاص متقاربين في العمر أو الطبع؛ ولا فرق فيها بين غني وفقير أو شيخ وشاب، فالجميع في مكانة واحدة. ولكل بارانا اسم خاص بها مثل "بارانا الأصدقاء" أو "بارانا سديرلر"، وقواعدها صارمة: فمن يُلقي بظلّه على وقار الجماعة يُستبعَد، وأحيانًا يُنقَل الاجتماع بهدوء إلى مكان آخر حتى لا يُجرَح شعوره.

تبدأ الليلة بعشاء جماعي — والطبق الأثير في باراناهات المدينة هو "چبيچ التندور" (لحم الجدي المشوي في التندور). وبعد شرب القهوة يُنتقَل إلى الحديث أو العزف؛ وتُضبَط أوتار السازات قرب منتصف الليل فيما يُعرف بـ"مصالحة الأوتار"، وتُنشَد الأغاني الشعبية القونيوية ("الميلّيلر") بترتيب المقامات. وبين الفقرات يُؤكَل "چتنفير" ويُجدَّد الشاي؛ ثم تُنصَب مائدة أرضية تضمّ الشوربة والتريت وبيلاف اللحم والبامية والهوشمرم والخوشاف. وتُختتَم الليلة، بعد فقرة من أربعين أغنية تُدعى "الأربعين لحنًا"، وقت الضحى بدعاء وأغنية "مدح السهرة" شكرًا لصاحب البيت.


سيلله: حيث تُعاش البارانا بأعمق جذورها

لا تعيش ثقافة البارانا في أي مكان في قونية بحيوية كما تعيش في سيلله. والبارانا، بتعريف أهل سيلله، جماعة تضامن مثالية اجتمعت على شعار "بذل الرأس دون إفشاء السرّ، ومرافقة الأيام المُرّة والحلوة على حدّ سواء". وتقليد "الهلفنة" في سيلله — الطعام المشترك — هو صورة هذا التضامن على المائدة. غير أن هذا التقليد يضعف في سيلله منذ نصف قرن بفعل التغيّر الاجتماعي والاقتصادي؛ وتعرب المصادر المحلية عن قلقها من أن هذا الإرث العريق يوشك أن يصبح ذكرى من الماضي.


الأماكن والموسيقى

بيوت البساتين في مرام والدره وسيلله في وسط المدينة، وغرف البارانا في قرى گوچو ويارما وقره‌قايا وساقيا‌طان وأوبا قاوغي وقارغين وشاطر وخيرأوغلو وديوانلار في الريف، هي الأماكن الرئيسية التي يعيش فيها هذا التقليد. أما الآلات الموسيقية الأساسية فهي البغلاما والدربكة؛ وأُضيف إليها مع الوقت العود والجنبوش، ثم القانون في مطلع القرن العشرين، والكلارينيت والكمان والكمنجة في العهد الجمهوري. ويبدأ الافتتاح تقليديًّا بـ"بشرف قونية"، وتُختتَم الليلة بأغنية "شربتُ خمرًا من الجرّة" — وبعد هذه الأغنية لا يلمس أحد سازه قبل مرور أربع وعشرين ساعة. ويواصل أسماء مثل رمضان قويونجو وعدنان دميرجي نقل هذا التقليد إلى الأجيال الشابة بانضباط الأستاذ والمتدرّب.


ملاحظة المرشد

إن مررتم بسيلله في زيارتكم القادمة إلى قونية — وهذا الحيّ التاريخي، الذي أُعلن منطقة أثرية حضرية عام 2001 ولا يبعد عن المركز سوى 7 كيلومترات، يمكن الوصول إليه بسهولة بالميني‌باص أو سيارة الأجرة — فقد تسمعون، من يدري، صوت ساز من بعيد. ذلك الصوت إرث عمره قرون، تسلّل من عهد أخي أوران إلى اليوم عبر مبادئ "عدم جرح القلوب، والتربية، والاحترام المتبادل". فالبارانا ليست تسلية، بل مدرسة أدب يمتزج فيها الساز بالأغنية، والأغنية بالحديث، والحديث بالمشاركة — وهي واحدة من أهدأ حكايات قونية وأعمقها.

#بارانا#الأخية#قونية#أوتوراك#سيلله#أغنية شعبية#سهرة سازية#تقليد