ترام قونية: رحلة 120 عامًا على قضبان مدينة

كثيرًا ما تُقاس مسيرة تحديث مدينة أناضولية بسكك حديدها. بالنسبة لقونية، بدأ هذا المقياس مع القطار الذي وصل عام 1896؛ ثم امتدّ إلى شوارع المدينة مع الترامواي بالخيول عام 1917، وتحوّل إلى أول نظام سكك كهربائية حديثة في الأناضول مع الترامواي الكهربائي عام 1992. واليوم تمتدّ القضبان من ظلّ تلة علاء الدين إلى ضريح مولانا، ومنه إلى جامعة سلجوق؛ وهي تحتضن من جهة ترامواياتها العتيقة التي أُهديت إلى سراييفو عاصمة البوسنة، ومن جهة أخرى عرباتها المبتكرة التي تحمل الدراجات، وكذلك مركبة قديمة تحوّلت إلى كشك في كولتور بارك. فلنقرأ معًا هذه الحكاية الممتدة 120 عامًا على قضبان قونية، بعين مرشد سياحي.


عصر الترامواي بالخيول: 1917-1925

بدأت مغامرة الترامواي في قونية رسميًا في أواخر عهد السلطان عبد الحميد الثاني، بقرار وافق عليه مجلس الوزراء في 1 مارس 1906، وصادق عليه السلطان بعد ذلك. غير أن أول ترامواي لم يصل إلى المدينة إلا عام 1917: فقد قام والي قونية آنذاك، فريد باشا الأولونيالي، الذي سيصبح لاحقًا صدرًا أعظم، بتفكيك الترامواي بالخيول الذي أصبح عاطلًا عن العمل في سالونيك بعد دخول الترامواي الكهربائي هناك، ونقله إلى قونية. وبفضل جهود رئيس البلدية آنذاك محلص كونر، تأسّس هذا المرفق الذي أصبح أول وسيلة نقل جماعي في قونية؛ وتذكر بعض المصادر أن المشغّل كان شركة خاصة تأسّست عام 1906.

قدّم الترامواي بالخيول خدماته على خط يمتد أمام ضريح مولانا (تربه أونو) ومحطة القطار، بطول إجمالي يتجاوز 30 كيلومترًا؛ فربط محيط المحطة، الذي انتعش بفضل رحلات القطار التي بدأت عام 1896، بمركز المدينة. لكن عمره لم يطل: فبسبب تراجع عدد الركاب مع صعود المركبات ذات المحركات، وازدياد صعوبات التشغيل، أُوقفت الرحلات عام 1925 (وتذكر بعض المصادر أنها استمرت حتى 1930). وتروي مصادر تلك الحقبة أن النهاية كانت حزينة بعض الشيء — إذ يُذكر أن اضطرار الركاب إلى دفع الترامواي العالق في الثلج أو الوحل بأكتافهم كان من الأسباب التي دفعت البلدية إلى قرار وقف الخدمة.


عصر الترامواي الكهربائي الحديث: الترامواي الأحمر القادم من كولونيا

بدأت حكاية الترامواي الحديث في قونية عام 1987: إذ لم تعد الحافلات القائمة قادرة على تحمّل العبء المتزايد من الركاب، وكان الوصول إلى حرم جامعة سلجوق علاء الدين كيقباد البعيد عن مركز المدينة يرفع تكاليف الوقود. وبمبادرة من رئيس البلدية الكبرى آنذاك أحمد أوكسوزلر، دخل خط علاء الدين-الحرم الجامعي، الذي وُضع مشروعه عام 1986، حيّز التنفيذ عام 1992 بترامواياتٍ من طراز Duewag GT8 مستعملة جُلبت من مدينة كولونيا الألمانية. وقد أُطلق على هذه الترامواي الأوروبية الكلاسيكية، المصنَّعة بين عامي 1963 و1967، أحادية الاتجاه وذات الثمانية محاور، اسم "الترامواي الأحمر" بين الناس.

بدأ نقل أول ترامواي من كولونيا إلى قونية في 25 نوفمبر 1988. وتطوّرت مراحل الافتتاح على النحو التالي:

  • 15 أبريل 1992: جرى تزويد النظام بالكهرباء للمرة الأولى، وتحرّك الترامواي رقم 104 لأول مرة بين المستودع ومحطة الجمهورية.
  • 23 أبريل 1992: أُقيم الافتتاح الأول، وبدأت الرحلات التجريبية وتدريب السائقين.
  • 28 سبتمبر 1992: بدأ التشغيل المجاني للجمهور على مسافة 10,5 كم بين علاء الدين والجمهورية؛ وسرعان ما تحوّل إلى تشغيل مدفوع.
  • أول تعرفة عام 1992: 7.000 ليرة تركية (ما يعادل 13 فينيغ ألماني وفق سعر الصرف حينها).

ومع هذا الافتتاح، حصل ترامواي قونية على لقب أول نظام ترامواي حديث يعمل في الأناضول. وبدأت المرحلة الثانية، البالغة 8 كيلومترات بين الجمهورية والحرم الجامعي، رحلاتها التجريبية في 21 ديسمبر 1995، ودخلت الخدمة رسميًا باحتفال في 19 أبريل 1996. ولتلبية الطلب المتزايد، جرى شراء 25 عربة إضافية في 1995-96، و26 عربة أخرى عام 2001، ليصل حجم الأسطول إلى 51 ترامواي.


تجديد شكودا: الترامواي الأخضر

لتجديد أسطول Duewag GT8 الذي أصبح قديمًا مع الوقت ولم يعد يفي بمتطلبات العصر، فتحت بلدية قونية الكبرى مناقصة جديدة عام 2012. وتنافس على المناقصة 6 من كبرى الشركات المصنّعة في العالم، وفازت بها الشركة التشيكية Škoda بعرض بلغ نحو 1.706.000 يورو لكل مركبة؛ وبلغت القيمة الإجمالية لعقد 72 مركبة نحو 104.700.000 يورو. وهذه الترامواي الجديدة، المصنَّعة خصيصًا لقونية، اكتسبت هوية اختار المواطنون لونها بالتصويت، فأصبحت تُعرف باسم "الترامواي الأخضر".

يتألف الأسطول من 60 ترامواي قياسية من طراز Škoda 28T، و12 مركبة تعمل بالبطارية من طراز Škoda 28T2 قادرة على العمل دون خط علوي (كاتنري) في المناطق التاريخية. وتبلغ هذه المركبات 32,5 مترًا طولًا، وتعمل بتيار مستمر 750 فولت، وأرضيتها منخفضة بنسبة مئة بالمئة، وتصل سرعتها إلى 70 كم/سا؛ وتتّسع لـ287 راكبًا إجمالًا، منهم 70 جالسًا و231 واقفًا. كما أصبحت ميزات مثل التكييف والواي فاي وشاشات إعلام الركاب واسترداد طاقة الفرملة معايير قياسية. ووصل أول ترامواي Škoda إلى قونية في أكتوبر 2013، وبدأ الخدمة في فبراير 2014 بعد رحلات تجريبية — لتصبح قونية بذلك أول مدينة في الأناضول تمتلك أسطول Škoda 28T.


هدية إلى سراييفو: جسر صداقة

الفصل الأكثر إثارة في حكاية ترامواي قونية هو إهداء جزء من ترامواي Duewag GT8 المتقاعدة إلى سراييفو، عاصمة البوسنة والهرسك. وبقرار اتُّخذ في عهد رئيس البلدية الكبرى آنذاك طاهر آكيورك، جرى تجهيز 20 ترامواي خصيصًا بعبارتَي "قونية" و"سراييفو" وزخارف من السماع والزهور، وأُرسلت إلى شوارع سراييفو. ودخلت المركبات القادمة من قونية الخدمة دون أي مشكلة تقنية، لأنها توافقت مع عرض القضبان القديم للمدينة التي امتلكت عام 1885 أحد أوائل أنظمة الترامواي الكهربائية في أوروبا — لتصبح واحدة من أبرز الرموز الملموسة للصداقة التركية-البوسنية فوق القضبان.


ترامواي الدراجات: سبقٌ تركي في عام 2020

تماشيًا مع رؤية "قونية، مدينة الدراجات"، حققت بلدية قونية الكبرى سبقًا تركيًا في سبتمبر 2020: إذ أُعيد تصميم ترامواييْن متقاعدتين من طراز Duewag GT8 وقُدّمتا للخدمة باسم "ترامواي الدراجات". وأُضيفت في الداخل تجهيزات تثبيت خاصة بالدراجات، ورُكِّبت عند المحطات منحدرات هيدروليكية تسهّل الصعود والنزول. ولا يخدم هذا الترامواي، العامل على خط T1 (علاء الدين - جامعة سلجوق)، سوى ركاب الدراجات، وفي محطات وأوقات محددة فقط — نموذج ملموس يجمع ثقافة الدراجات في قونية بوسائل النقل الجماعي.


مقهى الترامواي: حياة ثانية لمركبة

أكثر زوايا حكاية ترامواي قونية دفئًا هو تحويل ترامواي Duewag GT8 قديمة خرجت من الخدمة إلى كشك في كولتور بارك. وفي هذا التحويل الذي نفّذته بلدية قونية الكبرى، جرى الحفاظ على الواجهة الخارجية الأصلية للترامواي، بينما تحوّل المقصورة الداخلية إلى مقهى صغير. والشعور الغريب واللطيف الذي يمنحك إياه الجلوس داخل ترامواي حمل الركاب في شوارع قونية لأكثر من نصف قرن، وأنت تحتسي شايك في كولتور بارك، هو تحية صغيرة لقضبان المدينة الحنينية.


الخطوط والمستقبل: قونيا راي

يخدم ترامواي قونية اليوم خطّين ينطلقان من علاء الدين:

  • T1 — علاء الدين - جامعة سلجوق: 21 كم، افتُتح عام 1992 (مع رحلات منفصلة لركاب الدراجات).
  • T2 — ظفر - العدلية: 6,5 كم، افتُتح عام 2015.

الخطوط الجديدة المخطَّط لها

تواصل المدينة توسيع شبكة سككها الحديدية:

  • T3: العدلية - المستشفى المدني - الملعب (21,2 كم، مخطَّط له عام 2027)
  • T4: شارع فرات - محطة سلجوقلو للقطار فائق السرعة (13,85 كم، مخطَّط له عام 2028)
  • T5: سلجوقلو للقطار فائق السرعة - حلقة فاتح إيشيقلار (19,4 كم، مخطَّط له عام 2028)

قونيا راي: خط جديد بطول 54 كم

في إطار مشروع قونيا راي، الذي وُضعت خطته عام 2009 وتنفّذه بلدية قونية الكبرى بالتعاون مع وزارة النقل والهيئة العامة لسكك حديد الدولة التركية (TCDD)، يُضاف إلى الخطوط القائمة خط سكك حديدية جديد بطول 54 كيلومترًا، بهدف أن تحظى قونية بأوسع شبكة سكك حديدية في الأناضول؛ ويُدرَج ضمن الخطط أيضًا تحديث ترامواي Duewag GT8 القديمة لاستخدامها على خط T4.


ملاحظة المرشد

في زيارتكم القادمة إلى قونية، حين تنزلون عند محطة علاء الدين وتركبون الترامواي، تذكّروا أنكم تطأون قضبانًا يمتدّ ماضيها لأكثر من قرن. مشروع بدأ عام 1906 بإرادة سلطانية، وتجسّد عام 1917 بترامواي الخيول القادم من سالونيك، وانهزم أمام المركبات ذات المحركات عام 1925، لكنه بُعث من جديد عام 1992 مع "الترامواي الأحمر" القادم من كولونيا؛ وتجدّد شبابه عام 2014 مع ترامواي شكودا الأخضر، وتحوّل إلى حكاية عالمية عبر جسر الصداقة الممتد إلى سراييفو، واكتسب وظيفة جديدة بحمل الدراجات عام 2020، وبدأ حياة ثانية في كشك صغير بكولتور بارك. المباني السلجوقية التي تمرّ من نافذتكم، وظلّ مولانا، وخضرة علاء الدين — كلها شواهد صامتة على هذه الحكاية التي تتردّد أصداؤها على قضباننا منذ عام 1917. فترامواي قونية ليس وسيلة نقل، بل حكاية مدينة عمرها 120 عامًا — وما زالت تُكتب صفحة جديدة منها كل يوم.

#ترامواي قونية#الترامواي بالخيول#الترامواي الأحمر#شكودا#سراييفو#ترامواي الدراجات#قونيا راي#تاريخ النقل