أمطار الأربعين عصرًا وطست نيسان: ثقافة المطر في مدينة

بالنسبة إلى ابن قونية، ليس المطر مجرد تغيّر في حال الجو؛ بل هو البركة والشفاء واليُمن يتقاطر من السماء. أمطار "قرق إكيندي" (الأربعين عصرًا)، التي تبدأ من أواخر مايو (أيار) وتستمر أربعين يومًا؛ ومطر نيسان الذي يهطل في شهر نيسان وفق التقويم الرومي؛ وطاسة النيسان الشهيرة المعروضة في متحف مولانا — هذه العناصر الثلاثة هي أبعاد ثلاثة لثقافة مطر قديمة شكّلت طوال قرون الحياة اليومية لهذه المدينة، وتقليدها الصوفي، ودورتها الزراعية. تعالوا نكتشفها معًا بعين المرشد.


ما هي أمطار الأربعين عصرًا؟

"قرق إكيندي" اسمٌ تقليدي يُطلق في الأناضول على الزخّات المفاجئة التي تظهر في أواخر الربيع وبداية الصيف، وتبدأ عادة في وقت صلاة العصر — ويُعتقد شعبيًا أن هذه الأمطار تدوم أربعين يومًا، غير أن خبراء الأرصاد الجوية يوضّحون أن هذه المدة لا ترتبط بتقويم محدّد بل بالظروف الجوية السينوبتيكية. وتصنَّف هذه الأمطار أرصاديًا ضمن فئة الأمطار "الحملية"، إذ تتشكّل حين يرتفع الهواء الساخن ويصطدم بطبقة من الهواء البارد؛ فتكون قصيرة المدة لكنها قد تنهمر بشدّة مصحوبة بالرعد والبرد. وتؤثر هذه الأمطار، بعد أمطار نيسان، بين أواخر مايو (أيار) ومنتصف يونيو (حزيران) على وسط الأناضول، وقونية في مقدمتها. وتُعدّ في المعتقد الشعبي رمزًا للبركة والصحة، من خلال معتقدات مثل "أربعون ملَكًا يُنزلون المطر أربعين يومًا"، و"من يغتسل في ذلك المطر لا يمرض".


مطر نيسان: بركة وشفاء ويُمن

يُطلق اسم "مطر نيسان" على الأمطار الهاطلة في شهر نيسان وفق التقويم الرومي (الموافق 14 أبريل/نيسان - 14 مايو/أيار ميلاديًا)؛ وتُعرف هذه الفترة شعبيًا أيضًا باسم "الشهر الماطر". ووفق المعتقد الأناضولي، لمطر نيسان ثلاث قوى: البركة، والشفاء، واليُمن. وتعبّر عن هذا الاعتقاد أقوال مثل "إن سقط في فم المحّار صار لؤلؤًا، وإن سقط في فم الأفعى صار سُمًّا"، و"ماء مطر نيسان الذي يمرّ عليه سبع سنوات يُعدّ بمنزلة ماء زمزم"؛ ووفق إحدى الروايات، أخبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم أن هذا الماء دواء لكل داء إلا الموت، وأوصى بشربه على الريق سبعة أيام. لذلك يُقرأ على الماء المجموع سور كالفاتحة وآية الكرسي والإخلاص، ويُشرب صباحًا بعد الوضوء وعلى الريق.


تقليد من السلاجقة إلى المولوية

تمتدّ جذور تقليد مطر نيسان في قونية إلى عهد عاصمة السلاجقة؛ إذ كانت المياه المجموعة تُوزَّع على المرضى للتبرّك بالشفاء، وتُضاف إلى الطعام. وبلغ هذا التقليد أوجه في درگاه مولانا: فقد كان المولوية يجمعون مطر نيسان في أوعية تُسمّى "طاسة النيسان"، ويقرؤون عليها الأدعية، ويقدّمونها للزائرين. وكان ماء المطر المنسكب من القبة الخضراء (قبة الحضراء) التي تعلو ضريح مولانا يُجمع أيضًا على حدة، وتُغمس فيه أطراف العمامة (دستار) الملفوفة حول سكّة الدراويش أمام الباب الشريف — ولهذا كان يُعرف هذا الماء باسم "ماء الدستار"، وفي الثقافة المولوية باسم "زمزم الدرگاه". وفي السنوات الجافّة كان هذا الماء يُرشّ على الحقول تبرّكًا، وكان الفلاحون يضعون بذور القمح والشعير في طاسة النيسان ثم يخلطونها مع بقية البذور وقت الزراعة. وقد كتب مولانا نفسه في إحدى رباعياته أن مطر الربيع يبعث الحياة في الجسد والعقل:

"كما يبعث مطر الربيع الحياة في الطبيعة، كذلك يبعث الحياة في عقلك وجسدك."


طاسة النيسان: تحفة في متحف مولانا

طاسة النيسان المعروضة اليوم في قاعة حضور بير بمتحف مولانا، صنعها حاكم الإلخانيين أبو سعيد بهادر خان في الموصل وأهداها إلى الدرگاه، ووفق سجلّ المتحف وصلت إلى قونية عام 1333. صُنعت الطاسة على البرونز بتقنية التطعيم بالذهب والفضة، ويبلغ ارتفاعها 135 سنتيمترًا ووزنها نحو 33 كيلوغرامًا. وسُجّلت هذه القطعة في جرد المتحف عام 1926 عقب إغلاق التكايا والزوايا، وكانت تُخرَج في أشهر نيسان إلى باحة الدرگاه لجمع ماء المطر، ثم يُوزَّع هذا الماء تبرّكًا بالشفاء.


تقليد جمع مطر نيسان

هذا التقليد ليس مجرد ذكرى بقيت حبيسة المتحف؛ بل لا يزال حيًّا في ريف قونية. وتمتد فترة الجمع من الأسبوع الأول من نيسان الرومي حتى نهاية الشهر (الموافق تقريبًا 20 أبريل - 13 مايو ميلاديًا)؛ وأكثر ما يُرغَب فيه هو المطر الهاطل في الأيام الأولى من نيسان. تُترَك مِغسلة أو دلو أو وعاء نظيف واسع الفوهة في شرفة مكشوفة أو تراس أو حديقة، فيتجمّع فيه المطر مباشرة. تُقرأ على الماء المجموع أدعية كالفاتحة وآية الكرسي والإخلاص، ويُشرب منه كوب واحد كل صباح، بعد الوضوء وعلى الريق، لمدة سبعة أيام — ويُعتقد أنه إن تُرك سبع سنوات صار بمنزلة ماء زمزم. وهذا الطقس البسيط عادة لم تتغيّر منذ عهد السلاجقة إلى اليوم: حفظ ما يسقط من السماء، وحمل البركة إلى البيت.


الرابط بين أمطار الأربعين عصرًا ومطر نيسان

تتداخل هاتان العادتان في الذهن الشعبي: فمطر نيسان يصف الهطولات المفردة، بينما تصف أمطار الأربعين عصرًا طابعها المتكرّر الدوري. ويرتبط مطر نيسان أكثر بالتقليد السلجوقي-المولوي، بينما ترتبط أمطار الأربعين عصرًا بالتقويم الزراعي للفلاح الأناضولي — لكن كليهما يشير إلى الاعتقاد نفسه: البركة والشفاء.


اسم لا يزال حيًّا اليوم: "40 Kırkikindi"

هذا التقليد القديم ليس في قونية مجرد ذكرى معروضة في متحف. فقد أطلقت بلدية قونية الكبرى اسم "40 Kırkikindi" (أي: الأربعون - الأربعين عصرًا) على المقاهي والمطاعم التي تديرها لإبقاء هذا الاسم حيًّا في الحياة اليومية أيضًا — وهذه الأماكن المنتشرة في أرجاء المدينة تُذكّر كل يوم من جديد بتقليد المطر هذا الذي يُروى منذ قرون.


ملاحظة المرشد

حين تزورون متحف مولانا (حي عزيزية، شارع منطقة المتحف رقم 1، قره طاي) لمشاهدة طاسة النيسان، تخيّلوا ذلك الطقس القديم في الباحة: مطر ينسكب من القبة الخضراء لقبة الحضراء، ويتجمّع في الطاسة، ثم يُوزَّع تبرّكًا بالشفاء. ولا تزال في ريف قونية أسر تجمع مطر نيسان حتى اليوم؛ وإن رأيتم في وسط المدينة لافتة تحمل اسم "40 Kırkikindi"، فاعلموا أنكم أمام اسم معتقد عمره قرون. هذه المدينة التي يتعايش فيها علم الأرصاد الجوية والتصوّف جنبًا إلى جنب دون أي تعارض، حوّلت المطر أيضًا إلى ثقافة، تمامًا كحجرها وسازها وأغانيها الشعبية.

#الأربعين عصرًا#مطر نيسان#طاسة النيسان#متحف مولانا#قونية#المعتقدات الشعبية#المولوية