تاش بينا: رحلة قرن من مدرسة تدريب معلمات إلى متحف رقمي

في قضاء قره‌تاي بقونية، على شارع أنقرة، يرتفع مبنى تاريخي يخطف الأبصار بأبّهته: تاش بينا (المبنى الحجري). هذا الصرح الذي يتجاوز عمره 109 أعوام، وترك بصمات عميقة في الذاكرة الجمعية للمدينة، يحمل قصة تحوّل فريدة تمتدّ من أواخر العهد العثماني إلى حملة التعليم في عهد الجمهورية، ومن رئاسة جامعة سلجوق إلى مساحة تجربة رقمية عالية التقنية اليوم.

تعالوا نكتشف معًا رحلة هذا المعلم البارز في قونية من الماضي إلى المستقبل، ودقائقه المعمارية، والتجربة الرقمية التي يقدّمها.

بناء تاش بينا وأصوله المعمارية (1917-1922)

تبدأ قصة تاش بينا عام 1917، حين صمّمه المعمار الأسطوري في عصره، المعمار مظفر بك. وهو أحد رواد التيار المعماري الوطني الأول، ووقّع على صروح خالدة غيّرت ملامح قونية، مثل ثانوية قونية (السلطاني)، ومبنى مصرف الزراعة، وترميم جامع شرف الدين.

بدأ تشييد المبنى في الأصل بوصفه دار المعلمات (كلية المعلمات)، لكنه لم يكتمل إلا في عام 1922 بسبب الاضطرابات والضائقة الاقتصادية التي جلبتها سنوات الحرب العالمية الأولى والكفاح الوطني. ومن المؤسف أن المعمار مظفر بك توفي عام 1921 فلم يرَ عمله وقد اكتمل.

ودخل المبنى الخدمة قبل إعلان الجمهورية بعام واحد بالضبط، ويُعدّ اليوم، بحجارته المشذّبة ونوافذه المقنطرة على الطراز الكلاسيكي الجديد وأفاريز سقفه الخشبية وتفاصيله الخزفية، أحد أرقى نماذج العمارة التركية الكلاسيكية الجديدة في الأناضول.

قرنٌ في قلب التعليم والأكاديميا

1. عهد كلية المعلمات

كانت أكبر حاجة للأناضول في السنوات الأولى للجمهورية هي المعلمون الأكفاء. وخدم تاش بينا لسنوات طويلة بوصفه كلية معلمات قونية، فخرّج معلمات مثاليات. وتفرّقت خريجات هذه المدرسة من نساء الجمهورية في أنحاء الأناضول كافة، حاملات مشعل محو الأمية وحملة التعليم.

2. مبنى رئاسة جامعة سلجوق

ومع الوقت أصبح المبنى القلب الأكاديمي للمدينة، وخُصّص للجامعة عند تأسيس جامعة سلجوق. وظلّ تاش بينا، الذي خدم لسنوات طويلة مبنى للرئاسة، مركزًا إداريًّا تُتّخذ فيه القرارات الإدارية، وتُرسى فيه أسس الجامعة الفتية، وتتشكّل فيه رؤية قونية للتعليم العالي.

إرث للمستقبل: عملية ترميم شاملة

بعد انتقال رئاسة جامعة سلجوق إلى حرم علاء الدين كيقباد، آلت ملكية المبنى إلى بلدية قونية الكبرى. وبدأت عملية ترميم دقيقة أمينة للأصل، بهدف الحفاظ على النسيج التاريخي للمبنى ونقله إلى الأجيال القادمة:

  • الأشغال الحجرية: نُظّفت بدقة الكسوات الحجرية الأصلية من حجر سيلله والحجر الكلسي، وزخارف الواجهة، ووُضعت تحت الحماية.
  • السقف والبنية الخشبية: أُحييت زخارف السقف الخشبي التي تعكس السمات المعمارية الداخلية لتلك الحقبة.
  • تنسيق المحيط: أُنشئت في وسط المدينة ساحة ثقافية متكاملة في باحته، تضمّ بركة زينة دائرية وممرات للمشي ومساحات خضراء.

حين يلتقي التاريخ بالتكنولوجيا: مركز تاش بينا الرقمي للتعريف

أعاد المبنى فتح أبوابه بعد الترميم باسم "تاش بينا"، ويخدم اليوم بوصفه مركزًا رقميًّا تفاعليًّا للتعريف يتألف من 6 غرف موضوعية. وصُمّمت الغرف بنظام "الزيارة المتقاطعة" لتقديم تجربة متواصلة للزوار.

غرف التجربة الموضوعية

  • غرفة التاريخ — رحلة زمنية تمتدّ من چاتالهويوك إلى السلاجقة والعثمانيين، مع نسخة طبق الأصل من نصب إيوريز الزراعي وخرائط بارزة.
  • غرفة Go Konya — إمكانات المدينة في الزراعة والصناعة والسياحة؛ عروض تفاعلية وسرديات لمزارعين افتراضيين.
  • غرفة الفسيفساء الثقافية — مرايا اللانهاية، وموسيقى صوفية أُنتجت بالذكاء الاصطناعي، وفلسفة المرآة عند مولانا.
  • غرفة الثقافة الحية — مطبخ قونية، والمنتجات الحاصلة على مؤشر جغرافي، والحرف اليدوية التقليدية (الخزف الملوّن، الخط، صناعة الملاعق، التجليد).
  • أبواب تفتح على التاريخ — 4 أبواب خاصة: عبور رقمي إلى چاتالهويوك، وكنيسة القديسة هيلانة في سيلله، وجامع الأشرفأوغلو، وجامع العزيزية.
  • غرفة مدينتي — جولة افتراضية في المدينة عبر مشاريع بلدية قونية الكبرى ومحاكيات ركوب الدراجات.

معلومات الزيارة والوصول

لمن يرغب في خوض هذه التجربة الفريدة التي تمزج التاريخ بالعالم الرقمي، إليكم تفاصيل الزيارة:

  • العنوان: حيّ شمس تبريزي، شارع أنقرة رقم 6، قره‌تاي / قونية
  • الهاتف: (0332) 221 14 05
  • نصيحة: احرصوا على تضمين محاكي ركوب الدراجات في مركز التعريف الرقمي وغرفة "أبواب تفتح على التاريخ" في خطة جولتكم!
#تاش بينا#قونية#متحف رقمي#كلية المعلمات#ثقافة#تاريخ#جامعة سلجوق#المعمار مظفر