ثانوية قونية (المكتب الحجري): قرن من التعليم

حين يُذكر اسم قونية، لا يتبادر إلى الذهن مولانا جلال الدين الرومي أو الخبز باللحم أو المدارس السلجوقية التاريخية وحدها. فثانوية قونية (المعروفة شعبيًا بـ"المكتب الحجري") التي تحتل مكانة استثنائية وأثيرة في تاريخ التعليم بهذه المدينة العريقة، ظلّت منذ عام 1889 شجرة وارفة أخرجت للبلاد عددًا لا يُحصى من رجال الدولة والعلماء والأدباء والفنانين والوطنيين. تعالوا نكتشف معًا قصة هذه المدرسة العريقة والأثر الذي تركته في تاريخ التعليم التركي.

تاريخ ثانوية قونية من التأسيس إلى اليوم

بدأت ثانوية قونية مسيرتها التعليمية عام 1889، في العهد الأخير للدولة العثمانية، إبّان حكم السلطان عبد الحميد الثاني.

  • مرحلة مدرسة النظامية: افتُتحت المدرسة أول الأمر ضمن مدرسة النظامية بمستوى "الإعدادية" (التعليم الثانوي).
  • الإعدادية الداخلية والمكتب الحجري: سرعان ما أُضيف قسم داخلي تلبيةً للإقبال الكثيف من أبناء المنطقة، فحملت المدرسة اسم "إعدادية قونية". أما المبنى التاريخي الذي لا يزال قائمًا حتى اليوم، فقد شُيّد بالحجر المنحوت باعتباره أحد أرقى نماذج تيار العمارة الوطنية الأول، ولهذا عُرف بين الناس بـ"المكتب الحجري".

الكفاح الوطني وسنوات الحرب

لم تكن ثانوية قونية مجرد مؤسسة تعليمية، بل كانت أيضًا حصنًا من حصون الكفاح من أجل الاستقلال الوطني.

  • معركة جناق قلعة (تشاناكالي) (1915): في أشد أيام جبهة تشاناكالي سخونة، هرع طلاب الصف الأخير في سلطانية قونية متطوعين إلى الجبهة دفاعًا عن الوطن. ولهذا لم تستطع المدرسة تخريج دفعة عام 1915 بعدما استُشهد طلاب صفها الأخير.
  • حرب الاستقلال ومرحلة المستشفى: خلال معركة سقاريا الفاصلة وسنوات الهجوم الكبير، تحوّل مبنى المدرسة إلى مستشفى عسكري، والتحق معظم المعلمين والطلاب بالخدمة في الجبهة.

تغيّرات الاسم والمحطات التاريخية

مرّت ثانوية قونية منذ تأسيسها وحتى اليوم بتغيّرات في الاسم واكبت الإصلاحات المتعاقبة في النظام التعليمي:

السنةاللقب / الاسمالتوضيح
1889إعدادية قونيةصورتها الأولى التي افتُتحت في مدرسة النظامية.
1913سلطانية قونيةنالت صفة الثانوية/السلطانية مع إصلاحات المشروطية الثانية.
1923ثانوية قونية للبنينتكيّفت مع النظام التعليمي الجديد إثر إعلان الجمهورية.
1973ثانوية قونية غازيمُنحت المدرسة لقب "غازي" وصفة الثانوية.
1998ثانوية قونية وثانوية غازيانقسمت إلى مؤسستين منفصلتين وقدّمتا تعليمًا مستقلًا لفترة وجيزة.
1999ثانوية مرام قونيةالاسم الذي نشأ بإعادة توحيد المبنيين.
2005ثانوية قونية (الأناضول)حصلت على صفة "ثانوية الأناضول" التي تحملها اليوم.

النظام التعليمي والموقع وهوية المدرسة

تقدّم ثانوية قونية اليوم تعليمًا نوعيًا بصفتها "ثانوية أناضول".

  • الهيئة التعليمية وعدد الطلاب: لغة التعليم في المدرسة هي التركية، وتُدرَّس الإنجليزية كلغة أجنبية أولى والألمانية كلغة أجنبية ثانية. تواصل المدرسة نشاطها التعليمي في نحو 43 فصلًا دراسيًا، بطاقم من 79 معلمًا وأكثر من 1400 طالب.
  • الموقع: تنتصب المدرسة بنسيجها التاريخي في حي مرام، أحد أحياء وسط قونية، على شارع أتاتورك، وعلى مقربة مباشرة من ميدان النصر والنصب التذكاري.
  • المرتبة التاريخية: تحمل لقب الثانوية السادسة والعشرين الأقدم تأسيسًا في تركيا.

هذان البيتان من نشيد المدرسة يلخّصان الدور الذي ترى المؤسسة نفسها فيه:

في أفقها أجمل صدى للتاريخ،

ثانوية قونية عشٌ ينهض شامخًا.

خريجون بارزون وأعلام تركوا بصمتهم في المدرسة

تُعدّ ثانوية قونية أشبه بمدرسة لصناعة القادة، إذ خرّجت أسماء عظيمة وجّهت مسار الحياة السياسية والأدبية والعلمية والفنية في تركيا.

رجال الدولة والسياسيون

  • تورغوت أوزال: الرئيس الثامن لجمهورية تركيا ورئيس وزرائها التاسع عشر. وُلد أوزال في ملاطية، وأكمل تعليمه الثانوي في ثانوية قونية بسبب طبيعة عمل والده.
  • الأستاذ الدكتور سعدي إيرماك: رئيس وزراء جمهورية تركيا السابع عشر، طبيب وأكاديمي.
  • وجدي غونول: وزير الدفاع الوطني الأسبق، ووزير الداخلية الأسبق، ورئيس ديوان المحاسبات الأسبق.
  • محمد كَچَجيلر: وزير دولة سابق ووزير داخلية سابق.
  • الأستاذ الدكتور سامي غوچلو: وزير الزراعة وشؤون القرى الأسبق، ورئيس مجلس إدارة "مكتب الأناضول".
  • إيشين چلبي: وزير دولة سابق واقتصادي.
  • حسن دينچر وفاروق سوكان: وزيران ونائبان سابقان.
  • عصمت أوجاقچي أوغلو وسامي سلچوق: قانونيان بارزان تولّيا الرئاسة الأولى لمحكمة التمييز.
  • أوغور إبراهيم ألتاي: رئيس بلدية قونية الكبرى ورئيس المنظمة العالمية للمدن والحكومات المحلية المتحدة (UCLG).

الأدباء والشعراء والمفكرون

  • أحمد حمدي تانبينار: أحد أعمدة الأدب التركي (رواياته "السكينة"، و"معهد ضبط الساعات"، و"المدن الخمس"). درس في ثانوية قونية، ثم عاد إليها لاحقًا مدرّسًا للأدب. وقد كان لأجواء هذه المدرسة دور كبير في تخصيصه فصلًا خاصًا لقونية في كتابه "المدن الخمس".
  • طارق بوغرا: قلم بارع في الرواية التركية (رواياته "الآغا الصغير"، و"عثمانجق"، و"حلم إبيش"). خريج ثانوية قونية.
  • جاهد ظريف أوغلو: الشاعر المعروف، أحد "الرجال السبعة الجميلين"، أكمل جزءًا من تعليمه الثانوي في ثانوية قونية.
  • مصطفى أوز: عالم إلهيات وباحث وكاتب.

العلماء والأكاديميون

  • الأستاذ الدكتور صائم سقا أوغلو: أكاديمي معروف بأعماله المرجعية في الفلكلور التركي واللغة التركية.
  • الأستاذ الدكتور حكمت بيراند: عالم نبات وأكاديمي مشهور، ومؤلف كتاب "أحاديث مع شجرة الزعرور".
  • الأستاذ الدكتور جهاد أباأوغلو: أكاديمي عميد في عالم الطب واختصاصي في الأمراض الباطنية.
  • الأستاذ الدكتور حسين نائل قوبالي: أحد أبرز المرجعيات في تركيا بمجال القانون الدستوري.
  • الأستاذ الدكتور فريدون نافذ أوزلوك: اختصاصي في تاريخ الطب، وباحث وكاتب من نسل مولانا.

المكتب الحجري بوصفه إرثًا ثقافيًا

لم تعد ثانوية قونية مصدر إلهام للماضي فحسب، بل للحاضر والمستقبل أيضًا. فهي، بفضل ما مرّ من صفوفها من رؤساء جمهورية ورؤساء وزراء وعمالقة أدب وعلماء، تواصل بفخر حمل شعلة التعليم الممتدة من العهد العثماني إلى الجمهورية.

#ثانوية قونية#المكتب الحجري#قونية#تاريخ التعليم#مرام#تورغوت أوزال#أحمد حمدي تانبينار#طارق بوغرا#العمارة الوطنية#السلطاني